الشيخ محمد هادي معرفة
376
التفسير الأثرى الجامع
فتلك أبأس الصفقات وأخسرها ، إذ خسروا شرف الإنسانيّة النبيلة والحياة العليا الكريمة إزاء مطامع سافلة وآمال خائبة لا محالة كما وقد خسروا سعادة الحياة في الدار الأخرى وسوف ينتظرهم العذاب المهين في ذلّ وهوان . ولقد كان الذي حملهم على ارتكاب هذا العمل الشائن الخاسر ، هو حسدهم أن يختار اللّه لرسالته التي انتظروها فيهم ، محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم النبيّ العربيّ الكريم وحقدهم لأن ينزّل اللّه من فضله على من يشاء من عباده من سائر الأمم غيرهم . وما هذا الحسد والحقد إلّا بغيا وظلما فاحشا ونكارة لحكمة اللّه في صنعه القويم . فكانت مغبّة هذا البغي والاعتداء الفاحش أن عادوا بغضب على غضب . وهناك ينتظرهم عذاب مهين ، جزاء الاستكبار والحسد والبغي الذميم . * * * وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ . وهذه هي الطبيعة التي تبدو هنا في يهود ، هي الطبيعة الكنود ، طبيعة الأثرة الضيّقة الّتي تعيش في نطاق من التعصّب الشديد وتحسّ أنّ كلّ خير يصيب من سواها كأنّما هو مقتطع منها ، ولا تشعر بالوشيجة الإنسانية الكبرى ، التي تربط البشرية جميعا . وهكذا عاشت اليهود في عزلة عصبيّة عمياء ، ويتربّصون بالبشرية الدوائر ولا يزالون يكنّون للناس البغضاء ، ويعانون عذاب الأحقاد والضغائن . ويذيقون البشريّة رجع هذه الأحقاد فتنا يوقدونها بين الشعوب وهكذا يدبّرون للناس المكائد عبر التاريخ . كانوا إذا دعوا للإيمان الصادق يتبجّحون بما عندهم ويرون فيه الكفاية ليدعوا ما سواه . في حين أنّ الذي عرض عليهم كان هو الحقّ المتوافق مع ما لديهم من حقائق ضاعت أكثرها . * * * وإنّه لعجب من موقفهم هذا ، ما لهم وللحقّ ؟ ! إنّهم يعبدون أنفسهم ويتعبّدون لعصبيّتهم ما داموا يستأثرون بما لديهم فحسب لا بل إنّهم يعبدون هواهم فلقد كفروا من قبل بما جاء به أنبياؤهم . وكانوا يجابهونهم بالجحود والنكران وأحيانا بالقتل والتشريد . قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إيمانا صادقا بالحقّ الذي عندكم - فيما زعمتم - فكيف جابهتم الّذين جاءوكم به بالعداء العارم ؟ !